السيد نعمة الله الجزائري
184
الأنوار النعمانية
والدموع ويفضون إلى الدماء ، ثم يجتمعون في موطن آخر فيستنطقون فيه فيقولون : واللّه ربنا ما كنّا مشركين ، وهؤلاء خاصّة هم المقرون في دار الدنيا بالتوحيد فلم ينفعهم ايمانهم اللّه لمخالفتهم رسله وشكّهم فيما اتوا به عن ربه ، ونقضهم عهودهم في أوصيائهم واستبدالهم الذي هو أدنى بالذي هو خير ، وكذبهم اللّه فيما انتحلوه من الأيمان بقوله انظر كيف كذبوا على أنفسهم ، فيختم اللّه على أفواههم ويستنطق الأيدي والأرجل والجلود فتشهد بكلّ معصية كانت منهم ثمّ يرفع عن ألسنتهم الختم فيقولون لجلودهم لم شهدتم علينا قالوا : أنطقنا اللّه فيفر بعضهم من بعض لهول ما يشاهدونه من صعوبة الأمر وعظيم البلاء ، فذلك قوله عزّ وجلّ يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ وَصاحِبَتِهِ وَبَنِيهِ الآية . ثم يجتمعون في موطن آخر يستنطق فيه أولياء اللّه واصفياؤه فلا يتكلم أحد الّا من اذن له الرحمن وقال صوابا فيقام الرسل فيسألوا عن تأدية الرسالات التي حملوها إلى أممهم ، فأخبروا انّهم ادّوا ذلك إلى أممهم وتسأل الأمّة فيجحدوا كما قال اللّه تعالى فلنسألن الذين ارسل إليهم ولنسألن المرسلين ، فيقولون : ما جاءنا من بشير ولا نذير فيستشهد الرّسل رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله فيشهد بتصديق الرّسل وتكذيب من جحدها من الأمم ، فيقول لكل امّة منهم بلى قد جاءكم بشير ونذير واللّه على كل شيء قدير أي مقتدر على شهادة جوارحكم عليكم بتبليغ الرسل إليكم رسالاتهم ، ولذلك قال اللّه تعالى لنبيه صلّى اللّه عليه وآله فكيف إذا جئنا من كل امّة بشهيد وجئنا بك على هؤلاء شهيدا ، فلا يستطيعون ردّ شهادته خوفا من أن يختم اللّه على أفواههم وان تشهد عليهم جوارحهم بما كانوا يعملون ويشهد على منافقي قومه وامّته وكفّارهم بالحادهم وعنادهم ونقضهم عهده وتغييرهم سنّته واعتدائهم على أهل بيته ، وانقلابهم على أعقابهم وارتدادهم على ادبارهم واحتذائهم في ذلك سنّة من تقدّمهم من الأمم الظالمة الخائنة لأنبيائها فيقولون بأجمعهم : ربّنا غلبت علينا شقوتنا وكنّا قوما ضالّين . ثمّ يجتمعون في موطن آخر يكون فيه مقام محمّد صلّى اللّه عليه وآله وهو المقام المحمود فيثني على اللّه عزّ وجلّ بما لم يثن عليه أحد مثله ، ثم يثني على الملائكة كلهم فلا يبقى ملك الّا اثنى عليه محمد صلّى اللّه عليه وآله ثم يصلي ( يثني خ ) على الأنبياء عليهم السّلام بما لم يثن عليهم أحد مثله ثمّ يثني على كل مؤمن ومؤمنة يبدأ بالصّديقين والشهداء ثمّ الصالحين فيحمده أهل السماوات وأهل الأرضين ، فذلك قوله تعالى عَسى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقاماً مَحْمُوداً فطوبى لمن كان له في ذلك اليوم حظ ونصيب وويل لمن لم يكن له في ذلك المقام حظ ولا نصيب . ثم يجتمعون في موطن آخر وهذا كله قبل الحساب ، فإذا اخذ في الحساب فذلك محلّ المصائب والأهوان فهو تعالى وتقدّس يحاسب المؤمنين بالملاطفة والرفق ، ويظن كل واحد انّ اللّه